سياسة

سقوط مفاجئ: من أنهى زعامة أخنوش داخل الأحرار؟

لم يكن ما حدث داخل حزب التجمع الوطني للأحرار خلال أربعٍ وعشرين ساعة مجرد تطور تنظيمي عادي، بل تحوّل سياسي مكتمل الأركان، يختزل منطق تدبير الحقل الحزبي في المغرب، ويكشف حدود القرار الذاتي داخل الأحزاب المرتبطة مباشرة بمراكز السلطة.

ففي اليوم الأول، خرج عزيز أخنوش بتصريح واضح مفاده أن المكتب السياسي للحزب سيبتّ في مقترح تمديد انتداب مختلف هيئاته، وهو إعلان يحمل دلالات سياسية صريحة: تأجيل المؤتمر الوطني إلى ما بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وضمان استمرار أخنوش على رأس الحزب لقيادته في الاستحقاقات المقبلة. رسالة استقرار، وثقة في القيادة، ومحاولة لإغلاق باب النقاش الداخلي حول الزعامة.

غير أن المشهد انقلب رأسًا على عقب في اليوم الموالي. أخنوش يجتمع بمدراء مؤسسات إعلامية، ويبلغهم قراره التخلي عن رئاسة الحزب. وفي الوقت ذاته، ينعقد اجتماع المكتب السياسي الذي كان منتظرًا أن يكرّس خيار التمديد، فإذا به يُفاجأ بقرار رئيسه، لينتهي الاجتماع بإعلان عقد مؤتمر استثنائي خلال شهر واحد لانتخاب قيادة جديدة.

هذا التسلسل الزمني السريع يطرح سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاوزه: ما الذي تغيّر بين الأمس واليوم؟ وهل يعقل أن ينتقل رئيس حزب ورئيس حكومة من منطق التمديد وتثبيت القيادة إلى قرار الرحيل في ظرف قياسي، دون حدوث معطى استثنائي أو ضغط غير معلن؟

من الصعب قراءة هذا التحول باعتباره خيارًا شخصيًا محضًا أو تعبيرًا عن قناعة تنظيمية فجائية. فالقرار، في السياسة، لا يُقاس بنص البلاغات، بل بمنطق الوقائع. وما تكشفه الوقائع هنا هو أن دينامية القرار داخل الحزب لم تعد بيد قيادته المعلنة، وأن هامش المناورة السياسية بلغ حدوده القصوى.

كما أن طريقة الإعلان عن القرار، خارج مؤسسات الحزب أولًا، ثم فرضه كأمر واقع داخل المكتب السياسي، تعكس اختلالًا واضحًا في التوازن بين القيادة والتنظيم، وتطرح تساؤلات حول طبيعة الاستقلالية الحزبية، خاصة حين يتعلق الأمر بحزب يقود الحكومة ويتقاطع مساره مع رهانات الدولة واستقرارها السياسي.

الأرجح أن مغادرة أخنوش لقيادة الحزب لا تعني بالضرورة نهاية دوره السياسي، بقدر ما تعكس إعادة توزيع للأدوار داخل المشهد العام. ففي لحظات الاحتقان أو تآكل الشرعية السياسية، غالبًا ما تُختار مخارج هادئة تحفظ التوازن العام، حتى وإن جاءت على حساب الواجهة الحزبية.

في المحصلة، ليس السؤال الحقيقي هو من أنهى زعامة أخنوش داخل الأحرار فحسب، بل لماذا تم ذلك الآن، وبهذه السرعة، وبهذا الصمت. أما المؤتمر الاستثنائي المرتقب، فسيكون الاختبار الحقيقي: هل سيؤسس لقيادة نابعة من إرادة تنظيمية مستقلة، أم سيكون مجرد حلقة أخرى في مسلسل تدبير سياسي يُحسم خارج القاعات الحزبية، ثم يُسوَّق باسم الديمقراطية الداخلية.

Shares:
أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *