في عمق المشهد الاجتماعي المغربي اليوم، لا تبدو عبارة “غير خذوني” مجرد عنوان مستلهم من أغنية خالدة لمجموعة ناس الغيوان، بقدر ما تتحول إلى تعبير مكثف عن حالة نفسية جماعية يعيشها آلاف الشباب الباحثين عن فرصة عمل، إنها صرخة تختزل الإحباط، وتُترجم شعورا متناميا بالتيه وسط وعود سياسية كبرى لم تجد طريقها بعد إلى الواقع.
هذا الإحساس يتقاطع بشكل مباشر مع الجدل الذي أثاره إعلان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، بشأن توقعه خلق مليون منصب شغل مع نهاية سنة 2026، فبينما يُقدم هذا الرقم كأفق واعد، يتلقاه جزء واسع من الرأي العام بنوع من الحذر، إن لم نقل الشك، خاصة في ظل واقع تتجاوز فيه البطالة 13%، وتزداد فيه معاناة الباحثين عن الشغل.
“غير خذوني”… ليست فقط رغبة في الهجرة أو الهروب، بل هي تعبير عن فقدان الثقة في قدرة السوق الوطنية على الاستيعاب. هي جملة يرددها شاب فقد الأمل في مباراة عمومية، أو في مشروع صغير لم يجد دعما، أو في وعود تكررت دون أثر ملموس. هنا يتحول الخطاب السياسي من أداة تعبئة إلى مصدر ضغط، حين لا يواكبه تغيير حقيقي في شروط العيش.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض القطاعات غير الفلاحية أظهرت دينامية إيجابية في خلق فرص الشغل، خصوصا في مجالات الصناعة والسياحة والخدمات. هذه القطاعات ساهمت في إحداث آلاف المناصب سنويا، ما يعكس وجود إمكانيات حقيقية داخل الاقتصاد الوطني. لكن هذه الدينامية تبقى محدودة الأثر حين تقابل بخسائر كبيرة في قطاعات أخرى، وعلى رأسها القطاع الفلاحي الذي تكبد فقدانا واسعا في مناصب الشغل بفعل توالي سنوات الجفاف.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: من جهة، أرقام تتحدث عن خلق فرص جديدة، ومن جهة أخرى، واقع يومي يرسخ الإحساس بالهشاشة، هذا التناقض هو ما يعطي لعبارة “غير خذوني” معناها العميق، باعتبارها ليست فقط تعبيرا عن رغبة فردية، بل مؤشرا جماعيا على اختلال التوازن بين السياسات المعلنة والنتائج المحققة.
كما يطرح هذا الوضع تساؤلات جدية حول نجاعة البرامج الحكومية الموجهة للتشغيل، ومدى قدرتها على تحقيق أثر مستدام، فخلق فرص العمل لا يحدد بأرقام جذابة، بل بجودتها واستمراريتها، وبقدرتها على إدماج الشباب في دورة اقتصادية مستقرة تحفظ الكرامة وتفتح آفاق المستقبل.
خلاصة قراءة هذا الرقم (الأخنوشي)، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفع سقف الأرقام، بل في استعادة الثقة، لأن الشباب الذي يقول “غير خذوني” اليوم، لا يبحث فقط عن وظيفة، بل عن معنى للانتماء، وعن إحساس بأن له مكانا في هذا الوطن. وبين الوعود والواقع، تبقى هذه الصرخة معيارا حقيقيا لقياس نجاح السياسات العمومية… أو فشلها.



