يشهد الخطاب الأمازيغي اليوم مفارقة لافتة؛ وانحرافا خطيرا يؤسف له، إذ تحوّلت القضية، في جانب مهم من تمظهراتها، من مشروع ثقافي وحضاري تراكمي إلى مادة للاستهلاك الخطابي والاستعراض الرمزي على مستوى وسائل التواصل الإجتماعي، وكما يوظفه بعض الانتهازيين والوصوليين اليوم كوقود لتجييش الدهماء لخوض معارك شخصية مع من يشتغل في صمت لصالح الأمازيغية، وذلك لأجل قضاء مصالحهم الشخصية، ولهذا يوظفون بضاعتهم التي يتقنونها في التحريض بالافتراء والأكاذيب وتوزيع صكوك الأوهام، والعقلاء يشهدون أن هؤلاء لم ينفعوا الأمازيغية بشيء، وإنما هم عبء عليها، وهم من ساهموا في تقزيم أدوارها، بطيشهم ونزوعاتهم المنحرفة.
فبدل أن تكون الأمازيغية أفقًا للإنتاج والإبداع والعمل الدؤوب، أضحت مؤخرا خطابا انتهازيا خطيرا وشعارا انتخابيًا عابرًا أو وسيلة للتموقع والصراع، وتُستدعى في لحظات الحماسة وتُغيَّب في زمن البناء الهادئ. وهنا مكمن الخطر الحقيقي: ليس في العداء الصريح لها، الذي يسهل تشخيصه، وإنما في الادعاء الذي يفرغها من معناها باسم الدفاع عنها.
لقد آن الأوان للتمييز بين منطق التدبير ومنطق المشروع. فالأمازيغية لا تحتاج إلى أبواق تتحدث باسمها بقدر ما تحتاج إلى بناة يشتغلون من داخلها؛ وإلى من يتحمل كلفتها اليومية في التعليم والبحث، والترجمة، والإبداع الفني، وغير ذلك. فالقضايا الكبرى لا تُختزل في تقارير المناسبات وتغريدات أصحاب المآرب، بل تُصان بالعمل الصبور والدؤوب، وببرامج طويلة المدى تترك أثرًا متراكمًا في الوعي الجمعي والمؤسسات.
إن أخطر خيانة للأمازيغية ليست معاداتها جهارًا، بل تحويلها إلى رأسمال رمزي يُتداول في سوق الخطابات. حين تتحول إلى مجرد كلام، تصبح ضعيفة وقابلة للتلاعب، وتفقد قدرتها على إنتاج المعنى. أما حين تُعاد إلى فضاءات الشغل والمعرفة والفن… ، فإنها تستعيد قوتها الصامتة؛ تلك التي لا تحتاج إلى ضجيج كي تستمر، بل إلى تراكم هادئ يعمّق حضورها في الواقع.
فالهوية الأمازيغية ليست امتحان ولاء ولا ساحة لتوزيع صكوك الانتماء، بل أفق مفتوح للعمل والإسهام. ومن يختار الطريق الأسهل، طريق الضجيج بدل الفعل، لا يضيف إلى القضية إلا غبارًا جديدًا. وحده الانخراط الجاد، العميق، والمسؤول في البناء الثقافي والمعرفي هو ما يمنح الأمازيغية وضوحها واستحقاقها كمشروع حضاري حيّ.
وكما أن أولئك الذين يهاجمون مدبرو المؤسسات الأمازيغية بخطاباتهم المشخصنة، لا اظن أن فيهم من يغار على هذه المؤسسات، أو يسكنه هاجس وهم تطويرها وخدمتها، فلو كان ذلك فيهم حقا فليعبروا إذن عن مشاريعهم التي يحملونها لتطوير هذه المؤسسات، فالهم الجماعي من يسكنه لا يهم من سينفذه اليوم أو غذا، وإنما الذي يهمه هو أن يساهم في الإصلاح قدر الإمكان.
وفي المحصلة، ليست الأمازيغية شعارًا يُرفع في مواسم التجييش، ولا رايةً تُشهر في معارك الأشخاص، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية تقتضي وضوح الرؤية ونبل المقصد وصدق الفعل. من أراد خدمتها فليجعل من عمله حُجته، ومن مشروعه برهانه، ومن أثره في الواقع دليله. أما الضجيج، مهما علا، فلن يبني مؤسسة، ولن يطوّر تعليمًا، ولن يصنع إبداعًا.
وستبقى الأمازيغية أكبر من باعة الوهم، وأعمق من حساباتهم الضيقة؛ لأنها حين تُعاد إلى فضاءات المعرفة والفن والمؤسسات…، تستمد قوتها من جذورها في المجتمع ومن امتدادها في التاريخ. وحده العمل الجاد الصبور، والدؤوب، والمتجرد هو الكفيل بأن يصونها من العبث، ويمنحها مكانتها المستحقة كمشروع حضاري حيّ، لا كأداة ظرفية في سوق الخطابات…




