أوصى المجلس الوطني لحقوق الإنسان بضرورة مراجعة المقتضيات الجنائية المرتبطة بحرية التعبير، بما ينسجم مع الالتزامات الدولية للمغرب، وخاصة ما تنص عليه المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ودعا المجلس إلى إنهاء متابعة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بعقوبات سالبة للحرية بسبب التعبير أو النشر، مع التأكيد على ضرورة محاكمتهم وفق مقتضيات مدونة الصحافة والنشر التي توفر ضمانات قانونية أوسع لحماية حرية التعبير.
وجاءت هذه التوصيات ضمن التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2024، حيث شدد على أهمية التزام السلطات القضائية بمبدئي الضرورة والتناسب عند تقييد حرية التعبير، بما يضمن عدم اللجوء إلى العقوبات الحبسية في قضايا الرأي والنشر. كما دعا إلى عدم مقاضاة الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم من الفاعلين في مجال النشر بسبب ممارستهم لحقهم في التعبير، مع تمكينهم من كافة ضمانات المحاكمة العادلة.
وفي سياق دعم المشهد الإعلامي الوطني، أوصى المجلس بإطلاق مخطط استراتيجي للنهوض بالصحافة الجهوية، يهدف إلى الرفع من عدد الصحفيين المهنيين وتحسين أوضاعهم المهنية، إضافة إلى تعزيز فرص التكوين والتأهيل المهني. كما دعا إلى دعم المقاولات الصحفية والإعلامية وإحداث دور للصحافة على مستوى الجهات، بما يعزز حضور الإعلام في مختلف مناطق المملكة ويساهم في مواكبة ورش الجهوية المتقدمة.
وفي ما يتعلق بظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل الوسط الإعلامي، دعا المجلس إلى تشجيع الصحافيات على التبليغ عن حالات العنف التي قد يتعرضن لها، مع حث الهيئات التنظيمية والمؤسسات الإعلامية على اعتماد بروتوكولات واضحة للتعامل مع الشكايات المرتبطة بهذا النوع من العنف داخل المؤسسات الصحفية.
كما أوصى التقرير بإطلاق حوار مجتمعي واسع حول استخدام الأطفال دون سن 16 سنة لوسائل التواصل الاجتماعي والفضاءات الرقمية، مع إشراك الأطفال أنفسهم في هذا النقاش، بهدف تعزيز حماية معطياتهم الشخصية والحد من الآثار السلبية المحتملة على صحتهم الجسدية والنفسية، دون المس بحقهم في التعبير وإبداء الرأي كما تكفله الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.
وأكد المجلس أن الحق في حرية الرأي والتعبير يعد من الركائز الأساسية للمجتمعات الديمقراطية وشرطاً أساسياً لتقدمها، مشيراً إلى أنه يشكل قاعدة لتمتع الأفراد بعدد واسع من حقوق الإنسان الأخرى. كما لفت إلى أن هذا الحق مكفول في الدستور المغربي، ويشمل التعبير عن الآراء السياسية والعمل الصحفي ومناقشة قضايا حقوق الإنسان والتعبير عبر الفضاء الرقمي.
وسجل التقرير استمرار متابعة بعض الأشخاص وإدانتهم بعقوبات سالبة للحرية بسبب مضامين منشورة في الفضاء الرقمي، ومحاكمتهم استناداً إلى مقتضيات قانونية غير تلك الواردة في مدونة الصحافة والنشر، معتبراً أن هذا الوضع يثير القلق بالنظر إلى الضمانات التي توفرها المدونة لحماية حرية التعبير من العقوبات الحبسية.
كما رصدت اللجان الجهوية للمجلس عدداً من الادعاءات المتعلقة بالتضييق على الصحفيين أو الاعتداء عليهم لفظياً أو جسدياً أثناء أداء مهامهم، سواء من قبل مكلفين بإنفاذ القانون أو من أطراف أخرى خلال تغطية أحداث عامة، ما يستدعي تعزيز آليات حماية الصحفيين وضمان عدم الإفلات من العقاب في حالات الاعتداء عليهم.
وفي ما يخص الفضاء الرقمي، سجل المجلس تعرض صحفيين ومواطنين مغاربة وصفحات إعلامية على منصات التواصل الاجتماعي لقيود ورقابة اعتبرها غير متناسبة على محتويات داعمة لفلسطين خلال الحرب في غزة، شملت حذف حسابات أو تعليقها أو تقييد التفاعل مع منشورات وتقليل ظهورها دون تقديم مبررات واضحة أو توفير آليات فعالة للطعن في هذه الإجراءات.
وعلى مستوى الوضع الاقتصادي لقطاع الصحافة، أشار التقرير إلى أن الدعم المباشر الموجه للمقاولات الصحفية خلال سنة 2024 تجاوز 264 مليون درهم، استفاد منه 2309 مستخدمين ينتمون إلى 124 مقاولة صحفية، في إطار دعم استثنائي انطلق منذ سنة 2020 لمواجهة تداعيات جائحة كوفيد-19، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة المقاولات الصحفية على مواجهة التحديات المالية مستقبلاً في ظل استمرار التحولات التي يشهدها القطاع.




