الرئيسية سياسة “ما همّوني غير الرجال إلى ضاعو”… من أضعف نبض السياسة في المغرب؟
رأيسياسةفسحة رأي

“ما همّوني غير الرجال إلى ضاعو”… من أضعف نبض السياسة في المغرب؟

الثلاثاء 21 أبريل 2026

ليست هذه العبارة مجرد لازمة غنائية من تراث ناس الغيوان، بل مفتاح لقراءة مرحلة كاملة. وقد وقع اختياري على هذا العنوان انطلاقا من ولعٍ عميق بالظاهرة الغيوانية، بما تحمله من رمزية اجتماعية وسياسية وذاكرة جماعية حية. فهي، في عمقها، لا تحيل فقط على فقدان أشخاص، بل على غياب المعنى: غياب القادة، وذبول القيم، وتراجع ذلك الحس النضالي الذي كان يمنح السياسة روحها، قبل أن تتحول – في نظر كثيرين – إلى ممارسة بلا أثر.

تقترب انتخابات 2026 في سياق يبدو فيه كل شيء قائما شكليا: مؤسسات، أحزاب، حملات، خطابات، ورهانات. لكن ما يتآكل بصمت هو “نبض السياسة” نفسه. لم يعد السؤال: من سيفوز؟ بل: ماذا بقي من الفعل السياسي ليُتنافس عليه؟ وهنا تستعيد عبارة “ما همّوني غير الرجال إلى ضاعو” معناها الأعمق: لان القلق ليس على التموقع، بل على نوعية الفاعلين في هذا النسق. إذا عدنا إلى ما بعد الاستقلال، نجد أن السياسة في المغرب لم تكن مجرد تدبير جزئي للشأن العام، بل رهانا وجوديا تفاعليا بين الفاعلين وأن أسماء مثل المهدي بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، علال الفاسي، وبلحسن الوزاني .. وغيرهم، لم تكن فقط قيادات حزبية، بل تجسيدا لفكرة النضال بمعناه العميق ،كانوا يختلفون، بل يتصارعون، لكنهم اشتركوا في شيء واحد: الإيمان بأن السياسة مسؤولية تاريخية، وليست دور في مسلسل مستمر. حتى في مراحل لاحقة، ومع تحولات الدولة والمجتمع، برزت شخصيات حاولت الحفاظ على ذلك الخيط الرفيع بين الواقعية السياسية والالتزام القيمي، مثل عبد الرحمن اليوسفي ذكرا لا حصرا ،الذي قاد تجربة التناوب وهو يحمل إرثا نضاليا.

في زمن غير بعيد عن المغرب الحديث، كانت السياسة تفهم كالتزام قبل أن تكون انخراط، وكقضية قبل أن تكون فرصة للارتقاء الاجتماعي . كان “الرجال” يُقاسون بقدرتهم على الصمود، وعلى قول ما يجب قوله، وحمل همّ جماعي يتجاوز الحسابات الضيقة. اليوم، يبدو أن هذا النموذج تراجع لصالح نمط آخر من الفاعلين: أكثر براغماتية، أقل ارتباطا بالقيم النضالية، وأقرب إلى منطق التدبير منه إلى منطق التغيير.
أزمة القيادة داخل الأحزاب لم تعد مجرد أزمة أشخاص، بل أزمة نموذج، فالقيادات الحزبية في جزء معتبر منها، لم تعد قادرة على إنتاج أفق سياسي مقنع، ولا خطاب ملهم. تآكلت المسافة بينها وبين المواطن، خاصة الشباب، وتحول العمل الحزبي تدريجيا من فضاء للتأطير والتكوين إلى فضاء للتموقع، ومع هذا التحول، فقدت الأحزاب إحدى وظائفها الأساسية: إنتاج المعنى.

هذا التراجع في القيادة يتقاطع مع تحولات أعمق في بنية النسق السياسي. فحين تتراجع فعالية الوساطة الحزبية، تتقدم أدوار أخرى تبحث عن النجاعة والسرعة في الإنجاز. لا يتعلق الأمر بصراع بين أطراف، بل بإعادة ترتيب للأولويات: من التمثيل الشعبي إلى الفعالية التكنوقراطية، ومن النقاش إلى التنفيذ. غير أن هذا التحول، رغم وجاهته في بعض السياقات، يطرح سؤال التوازن: هل يمكن أن تستمر السياسة دون روحها التمثيلية؟ انتخابات 2026 تجري في هذا المناخ المركب، فهي من جهة محطة دستورية ضرورية، ومن جهة أخرى تبدو – لدى جزء من الرأي العام – بلا رهانات كبرى. ليس لأن الرهانات غير موجودة، بل لأنها لا تترجم بالضرورة إلى تنافس سياسي واضح، وهنا يتعمق الإحساس بأن السياسة تدار في مستويات متعددة، وأن ما يظهر في الواجهة لا يعكس بالضرورة كل ما يجري في العمق.

في هذا السياق، تعود أغاني الغيوان، ومنها “ما همّوني غير الرجال إلى ضاعو”، كذاكرة نقدية تذكر بما كان ممكنا، ليس كحنين رومانسي، بل كمعيار للمقارنة. فالقضية ليست في استعادة الماضي، بل في استعادة جوهر: ذلك الربط بين السياسة والقيم، بين القيادة والمسؤولية، وبين الحضور والالتزام. إن ضعف نبض السياسة اليوم لا يمكن اختزاله في فاعل واحد، بل نتيجة تفاعل بين أحزاب لم تُجدد أدواتها، ونخب لم تحافظ على زخمها النضالي، وسياق عام أعاد ترتيب أدوار الفاعلين وفق منطق مختلف. لكن وسط هذا التعقيد، يبقى سؤال “الرجال” قائماً – ليس بمعناه الضيق، بل كرمز لنوعية القيادة المطلوبة: قيادة قادرة على الجمع بين الكفاءة والالتزام، بين التدبير والمعنى.

في النهاية، قد لا يكون التحدي الأكبر هو تنظيم انتخابات ناجحة من الناحية الإجرائية، بل استعادة الثقة في أن السياسة ما زالت قادرة على إحداث فرق. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تختلف الاختيارات، بل أن يفقد الفاعلون القدرة على الإقناع، ويصبح الحضور السياسي مجرد شكل بلا روح. وهنا فقط، تصبح عبارة “ما همّوني غير الرجال إلى ضاعو” سؤالا سياسيا بامتياز: ليس عن من غاب… بل عن من يجب أن يحضر.

أضف تعليقاً