لا تُعرَّف السياسة بالمقعد ولا بالبطاقة الحزبية، بل بالموضوع الذي تشتغل عليه: تنظيم الاجتماع الإنساني، وتحديد غايات الجماعة، وترتيب أولوياتها، وصياغة الاختيارات التي تؤطر الحياة المشتركة. وإذا كان أرسطو قد وصف الإنسان بأنه كائن سياسي بطبعه، فإن في ذلك ما يوحي بأن الصفة السياسية سابقة على التنظيم الذي يحتضنها، وأن الأحزاب أدوات تاريخية لتصريف هذه الطبيعة، وليست مصدراً لها. ومن هنا يبدأ الإشكال: هل يكتسب الفاعل صفته السياسية من انتمائه التنظيمي، أم من طبيعة ما يشتغل عليه من تصورات؟
ثلاثة مستويات متمايزة:
لا يستقيم النقاش دون التمييز بين إنتاج المشروع السياسي، وتنظيم الفعل السياسي، والتنافس على التفويض الانتخابي. فالمشروع تصور متماسك للغايات ولأدوار الدولة ولأولويات السياسات العمومية وللمسار الذي ينقل المجتمع من وضعه القائم إلى وضع بديل. والتنظيم الحزبي وسيط يجمع المصالح ويحوّل التصورات إلى برامج ويعبئ الدعم. أما الانتخاب فآلية لمنح التفويض.
هذه المستويات متداخلة، لكن تداخلها لا يعني تطابقها. فقد يوجد المشروع خارج الحزب، وقد يوجد الحزب دون مشروع، وقد يتحول الانتخاب إلى سباق على المواقع منفصل عن كليهما. وعليه فإن الأسئلة المتداولة (هل كل فاعل انتخابي فاعل حزبي؟ هل على كل حزب أن يخوض الانتخابات؟ هل الفاعلان بالضرورة سياسيان بالمعنى الفكري؟) يجيب عنها هذا التمييز نفسه: لا هذا ولا ذاك على سبيل الضرورة.
المشروع والمشروعية: مفهومان لا يتبادلان الأدوار
المشروعية، بمعناها الدقيق، هي الأساس الذي يبرر ممارسة السلطة ويجعلها مقبولة، وهي في تقديري نوعان: مشروعية الأصل، وتقوم على التفويض والإطار الدستوري، ومشروعية الأداء، وتقوم على النتائج والمساءلة. أما المشروع فمجال الغايات والتصورات. ومن ثم فإن امتلاك مشروع متماسك لا يمنح حق الحكم، كما أن الفوز الانتخابي لا يثبت امتلاك مشروع.
غير أن هذه الحقيقة الديمقراطية لا ينبغي أن تُقرأ على نحو يُسقط صفة السياسي عن حامل الفكرة. فنفي الحق في الحكم عن المفكر لا يستلزم نفي الصفة السياسية عن فعله. إن من يقترح تصوراً لتوزيع الموارد، أو لوظيفة الدولة، أو لعلاقة الفرد بالجماعة، يمارس فعلاً سياسياً بالمعنى الدقيق، لأن موضوع فعله هو الشأن العام، وأثره يتجه إلى الاختيارات الجماعية. وقد ذهب غرامشي إلى أن كل جماعة اجتماعية تنتج مثقفيها العضويين، وأن وظيفة التنظيم السياسي أن يكون مثقفاً جماعياً، وهذا يعني أن الفكرة سابقة في الترتيب المنطقي على التنظيم الذي يحملها.
حرية منهجية وانضباط تنظيمي:
يشتغل الباحث والمفكر المستقل وفق منطق مختلف عن منطق التنظيم. فمعيار نجاحه قوة الحجة واتساق التحليل وقابليته للمراجعة. ومن شروط اشتغاله حرية المنهج، أي القدرة على مساءلة المسلمات وتعديل الفرضيات والانتقال من نتيجة إلى أخرى دون أن تحكمه حدود عقيدة مسبقة. أما التنظيم الحزبي فمعياره التماسك والانضباط ووحدة الخطاب وقدرة القيادة على التعبئة. ولا يعني ذلك أن أحد المنطقين أرقى من الآخر، فكلاهما ضروري لوظيفته، لكنهما يتجاوران ولا يتطابقان.
ومن هنا يصعب أن نفترض أن العرض الحزبي، مهما اتسع، قادر على استيعاب كل حامل لمشروع. فالحزب بطبيعته مجال لتسوية الخلافات وبناء أرضية مشتركة، وهو ما يقتضي قدراً من التنازل المنهجي لا ينسجم دائماً مع مقتضيات البحث الحر. والقول بذلك لا يتضمن إدانة للأحزاب، بل وصفاً لتعارض بنيوي بين وظيفتين.
حين يرجّح الاختيار الداخلي كفة الانتخابي:
يزداد هذا الإشكال حدة حين ننظر إلى آلية الحسم داخل الأحزاب نفسها. فالاختيار الديمقراطي لقيادة الحزب يقوم على التنافس بين من يملكون القدرة على التعبئة والتأطير وكسب الأصوات، وهذه كفاءة انتخابية بالدرجة الأولى. وقد نبّه ميخلز مبكراً إلى ميل التنظيمات الحزبية نحو تركيز السلطة في يد من يتقنون إدارة الجهاز، وتحدثت أدبيات الأحزاب المعاصرة عن تحول الأحزاب إلى آلات انتخابية تتقدم فيها حسابات الفوز على حسابات المضمون. ويترتب على ذلك أن الاقتراع الداخلي، وهو في ذاته مبدأ ديمقراطي لا غبار عليه، يعطي الأسبقية بحكم منطقه لمن يجيد التنافس على الأصوات، لا لمن يجيد إنتاج الأفكار.
وليس في هذه الملاحظة انتقاص من الفاعل الانتخابي، فوظيفته مشروعة وضرورية، إذ بدونه لا تتحول الأفكار إلى تفويض. لكن المسألة أن قيادة الإرادة الفكرية لا تُكتسب بالأدوات التي تُكتسب بها قيادة التعبئة. فالمفكر المتسم بالحرية المنهجية لا يُقاد بمنطق الأغلبية التنظيمية، ولا يمكن لتيار قوامه الانتخاب أن يحدد له مساراته ومخرجاته، لأن المعرفة لا تُحسم بالتصويت. وبذلك يجد صاحب المشروع المستقل نفسه أمام خيارين غير مريحين: أن يتنازل عن شيء من استقلاله ليتأقلم مع منطق التنظيم، أو أن يبقى خارجه فيخسر أدوات التأثير التي يتيحها.
نحو علاقة تفاعل لا احتواء:
لا يعني ما سبق أن الأحزاب فقدت مبرر وجودها، فالانتقال من الفكرة إلى السياسة العمومية يتطلب ما لا تتيحه الفردية: التعبئة وبناء التوافقات ومواجهة تعارض المصالح وتحمل المسؤولية أمام الناخبين. كما أن استقلالية المشاريع لا تضمن تأثيرها، ولا يصح أن تتحول إلى ذريعة للتهرب من المساءلة. غير أن الحل لا يكمن في اشتراط الانتماء التنظيمي حداً أدنى لكل حضور سياسي، بل في بناء علاقة تفاعل بين المشاريع والتنظيمات، تتيح للأولى أن تؤثر في الثانية دون أن تذوب فيها، وتتيح للثانية أن تتجدد فكرياً دون أن تفقد وظيفتها التمثيلية.
وقد يكون من المفيد أن نسأل: ما الذي يحدث لحيوية الحياة السياسية حين تصير الصفة السياسية رهينة بالانتماء التنظيمي وحده؟ وهل يمكن لنظام تمثيلي أن يستغني عن الكفاءة الفكرية التي تتشكل خارج بنياته دون أن يفقد قدرته على التجدد؟
إن جوهر المسألة ليس تحديد من يملك السياسة، بل فهم الشروط التي تجعلها مجالاً لإنتاج المشاريع وتنافسها، وتنظيم المصالح وتمثيلها، وممارسة السلطة باسم المجتمع دون ادعاء احتكار التعبير عنه. فمن حمل تصوراً للشأن العام وسعى إلى التأثير في الاختيارات الجماعية فقد مارس السياسة، سواء انتمى إلى حزب أم لم ينتم، أما الحق في الحكم فيظل خاضعاً للتفويض والمساءلة.