في نونبر 2007، حين زار العاهل الإسباني خوان كارلوس الأول مدينة سبتة المحتلة، تحولت الزيارة إلى أزمة دبلوماسية بين الرباط ومدريد. استدعى المغرب سفيره من إسبانيا، وعقد مجلس النواب جلسة استثنائية، وصدرت مواقف سياسية رافضة للزيارة، كما شهدت الساحة المغربية تحركات احتجاجية. يومها، لم تكن سبتة ومليلية مجرد ملف تتولاه وزارة الخارجية، بل قضية حاضرة في النقاش البرلماني والسياسي والمجتمعي.
اليوم، في أكتوبر 2026، يعود المشهد إلى الواجهة مع زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة، في خطوة تعيد طرح ملف المدينتين المحتلتين في سياق العلاقات المغربية الإسبانية. غير أن ما يستوقف المتابع ليس الزيارة وحدها، بل محدودية التفاعل السياسي والمجتمعي معها مقارنة بما شهدته سنة 2007.
هنا يفرض السؤال نفسه: ماذا تغيّر خلال تسعة عشر عاما؟ هل تغيّرت فقط طريقة تدبير الدولة لهذا الملف، أم تراجع أيضا حضور القضية في الوعي السياسي والمجتمعي؟
من حق الدولة أن تدبّر علاقاتها الخارجية وفق حسابات المصالح والتوازنات الدولية، خصوصا في ظل تشابك ملفات التعاون الاقتصادي والأمني والهجرة. وقد يكون التحفظ الدبلوماسي خيارا محسوبا تفرضه ظروف المرحلة، لكن ذلك لا يعني أن يتحول الصمت إلى قاعدة تشمل الأحزاب والبرلمان والمجتمع المدني.
أين الأحزاب التي طالما رفعت شعارات الدفاع عن الوحدة الترابية؟ وأين البرلمان الذي جعل من زيارة 2007 مناسبة لنقاش استثنائي؟ وأين فعاليات المجتمع المدني التي يفترض أن تعبّر عن انشغالات المواطنين وتفتح النقاش حول القضايا الوطنية؟ إن السؤال لا يستهدف الدعوة إلى التصعيد مع إسبانيا، ولا التشكيك في حسابات الدبلوماسية المغربية، بل مساءلة الغياب شبه التام للنقاش العمومي حول قضية ظلت لعقود جزءاً من الذاكرة الوطنية.
فالعلاقات الجيدة بين الدول لا تعني اختفاء الملفات الخلافية، كما أن التعاون مع الجار الإسباني لا يتعارض مع استمرار النقاش المسؤول حول سبتة ومليلية. بل إن النضج السياسي يقتضي الفصل بين تدبير الدولة لعلاقاتها الخارجية، وحق المجتمع في التعبير السلمي عن مواقفه ومساءلة مؤسساته بشأن القضايا التي تعنيه.
إن أخطر ما في هذا الصمت ليس غياب الاحتجاج في حد ذاته، فالتعبير عن المواقف لا يُقاس بحجم الشارع وحده، بل غياب المبادرة السياسية والمدنية التي تحول الحدث إلى فرصة للنقاش والتوضيح. فحين تغيب الأحزاب عن القضايا الوطنية، ويتراجع البرلمان عن ممارسة دوره في النقاش، وينكمش المجتمع المدني عن التعبير، يصبح المجال العام أفقر، وتتحول القضايا الكبرى إلى شعارات موسمية لا تستحضر إلا عند الحاجة.
الوطنية ليست صراخا دائما، وليست صمتاً دائما أيضا. إنها القدرة على الدفاع عن المصالح الوطنية بوعي ومسؤولية، من دون مزايدات أو انفعالات، ومن دون التنازل عن حق المجتمع في السؤال والنقاش. وإذا اختارت الدولة التحفظ الدبلوماسي، فمن حق المواطنين أن يناقشوا أسبابه وحدوده، وأن يطالبوا بتوضيح الرؤية المغربية بشأن هذا الملف.
بين 2007 و2026، تغيّرت الظروف وتطورت العلاقات المغربية الإسبانية، لكن السؤال الذي لا ينبغي أن يغيب هو: هل يكفي أن تدبّر الدولة هذا الملف وفق حساباتها، أم أن الأمر يستدعي أيضا حضوراً سياسيا ومدنيا يضمن استمرار النقاش حوله؟
فالدولة قد تختار الصمت في لحظة معينة، لكن المجتمع لا ينبغي أن يتخلى عن حقه في الكلام. لأن القضايا الوطنية لا تبقى حية بالشعارات وحدها، بل بوعي المواطنين، ومبادرة الأحزاب، ومسؤولية المؤسسات، واستمرار النقاش العمومي.